الرئيسية أُخرى كيف تغلبت أمريكا على تجاوزات الهيئة؟

كيف تغلبت أمريكا على تجاوزات الهيئة؟

12 ث قراءة
5
0
1,430
كثرت الأحاديث في الفترة الأخيرة عن تجاوزات جهاز الهيئة (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالسعودية -بغض النظر عن صحّتها من عدمه-؛ فأصبح معتادً بين كل فترة أن نسمع عن مطاردة انتهت بمشهد محزن أو ملاحقة بأحد الأسواق وإمتعاض الكل مع تصاريح واتهامات تتناثر بين جميع الأطراف.

 

بعد مسلسل الأحداث هذه، اعتدنا أيضًا على الدخول في “الاستديو التحليلي” وهو إختصاص مجمل سكان المملكة العربية السعودية -طالما أنه لايتطلب بذل مجهود بدني- والإنقسام المعتاد مابين معادي ومناصر، ونسمع مصطلحات ترمى بين الطرفين من “اخطاء فردية”، “ليست اخطاء فردية”، “يجب حل الجهاز”، “أنت ليبرالي“..الخ.

 

البعض قد ينظر للأحداث الراهنة كحالة انقسام متشدد بين المجتمع، نتيجة طبيعة حالته الدينية الخاصة… لكن، ومن وجهة نظر متواضعة، هي حالة طبيعية تمامًا وطبيعة بشريّة بحته ومتوقعة في حالة وجود جهاز بأي دولة مختص بمسؤولية تنظيم ومعاقبة المخالفين؛ فالتجاوزات تزداد والشكاوى تتكاثر -صحيحة وخاطئة-.. وهذا بالتحديد ماواجهته أمريكا (وبريطانيا)، وخطت خطوات ناجحة في التغلب عليه بنسبة كبيرة.. فكيف استطاعت أمريكا احتواء تجاوزات الهيئة والشكاوى ضدها؟

الشكاوى والتجاوزات

جهاز الشرطة في أمريكا وعلى الرغم أنه لا يسمى بجهاز الهيئة، إلا انه لديه العديد من المهام المتشابهة تمامًا في المبدأ: مسؤولية متابعة المخالفين في الطرقات وتنبيههم أو القبض عليهم ومخالفتهم بما يستدعي (بجانب عملهم المعتاد). ونتيجة هذه المسؤولية الكبيرة ووجود جماعات من المخالفين ومن يستمتعون بإغاضة افراد الشرطة (عن طريق الاستهزاء أو التصرفات -الغير مخالفة للقانون- المثيرة للعصبية)، كثرت الإدعاءات والشكاوى ضدهم من ناحية:

  • استخدام القوة المفرطة بغير حاجة.
  • تلفيق التهم الغير حقيقية.

وحيث أن الجهاز مكون من بشر، ويتعاملون مع بشر، فإنه يتواجد فعليًا تجاوزات من قبل الشرطة نتيجة ضغط عملهم والرغبة البشرية في الانتقام التأديبي البسيط في حال “استهزأ” احد بهم أو أحط من قدرهم من غير مخالفته للقانون.. وبنفس الوقت جزء من هذه الشكاوى والإدعاءات كاذبة للخروج من المأزق.. وأحيانًا يكون مبالغة من قبل الطرفين.

أخطاء فردية

مما لاشك فيه أن جهاز الشرطة من أهم الأجهزة التنظيمية بالدولة، وكان بالإمكان إعتبار أن تلك الأخطاء والتجاوزات -الصحيح منها- هي أخطاء فردية والوعد بوضع تدريب مكثف للكادر. ولكن السؤال المطروح هل هي أخطاء نتيجة قلة معرفة بالقوانين ونقص بالتدريب اللازم؟ فقد تكون المعرفة هي أحد الطرق لكسر القوانين بشكل أكثر فعاليّة عند الرغبة. ومن جهة أخرى، صحيح أنه يجب وضع ثقة بالكادر العامل بهذا الجهاز، ولكن عبر السنين وكثرة الخصومات بين الطرفين، أثبتت الحاجة لإبتكار جديد.. يقوم بخفض هذه التجاوزات -من الطرفين- في الخصومة.

الحل المقترح والمنفّذ

بدأت التجارب والبحث في أمريكا لتقييم فعالية استخدام: كاميرا جيب صغيرة الحجم، توضع في جيب الشرطي الأمامي أو مرفوعة على رقبته، تقوم بتصوير وتسجيل كل مايواجهه في عمله اليومي وتعمل لمدة 12 ساعة متواصلة يقوم بتشغيلها فور نزوله من مركبته أو سيره على الأقدام.

body-cameras-rialto-study
صورة 1: مثال لأحد الكاميرات الخفيفة سهلة الحمل والإستخدام والعمليّة جدًا

كان الإقتراح في بداية الأمر محل شكوك وتخوفات من قبل أجهزة الشرطة في أمريكا، فالإستخدام قد يكون معقد والفائدة المرجوة قد لاتصل لمستوى مقنع. ولكن وكما هو ظاهر في [صورة 1]، الكاميرا المستخدمة:

  • صغيرة الحجم وخفيفة جدُا
  • مرنة وذات حماية عالية لإستخدام أكثر عملية
  • سهلة التثبيت وغير لافتة للنظر

لكن السؤال الأهم لازال تحت المجهر…. تم استخدام الكاميرا، ثم ماذا؟!

تقرير: النتائج والأرقام

 وهنا كانت الأرقام والنتائج تتحدث بلغة لم تكن متوقعة لدى الجميع… وهنا ملخص لها من بحثي:

استخدام العنف الزائد من قبل اعضاء الجهاز المزودين بكاميرا نقص بنسبة 60%!(1)

الشكاوى من قبل المواطنين على أفراد الجهاز المزودين بكاميرا نقصت بنسبة 88%!!(1)

ثلاث أضعاف حجم الشكاوى ضد أفراد الجهاز غير المزودين بكاميرا!(2)

هذه جزء من العوائد التي قادتها حملة الكاميرات الخفيفة والتي تضمن حقوق جميع الأطراف، والتي عملت بنتائج مبهرة جدًا ضمن قوانين وشروط واضحة للجميع. والأعجب بالموضوع أن الكاميرات لم تضمن حقوق المواطنين فقط، بل حتى أعضاء الجهاز ومنع تجاوزات المواطنين عليهم. حيث هذه بعض التصريحات من أعضاء جهاز الشرطة:

“الكل يصبح في أفضل تصرف له حين الكاميرات تستخدم. الشرطة، العامّة-الكل!”

– رون ميلر، رئيس جهاز الشرطة في كينساس.

“في فترة الاختبارات التي قمنا بها بإستخدام الكاميرا، بعض أفراد الجهاز رغبوا بتجربتها أثناء عملهم، وكانت ردة فعلهم إيجابيّة جدًا. كانوا يقولون أشياء مثل “لن تصدقوا كيف العامة يتوقفون عن التصرفات السيئة عند اخبارهم أن هذه كاميرا”. ونحن نعلم أن غالبية أفراد جهازنا يقومون بعملهم بشكل سليم، والكاميرات لن تثبت غير ذلك.”

– دوغلاس، الشريف في جهاز شرطة لاس فيقاس

الفوائد الجانبية

ومن الاستخدامات المتعددة للكاميرا، باتت تستخدم الآن في أكثر من مجرد توثيق الأحداث:

  • تحليل تصرفات العامّة وتطوير طرق التعامل معهم
  • تطوير قوانين وشروط الجهاز بما يتناسب مع الاحداث بشكل مستمر
  • حل المشاكل والاختلافات في وقت أسرع بكثير
  • تسجيل صور ودلائل الهاربين بدل الاستعانة بالذاكرة البشرية
  • انخفاض الاعتداءات على الجهاز
  • معرفة وتطوير الاجراءات الداخلية الخاطئة لدى الجهاز: حيث يتم استخدامها وبكثرة لدى الاعضاء الجدد في الجهاز من اجل تدريبهم وتطويرهم وتصحيح تصرفاتهم اثناء العمل. (2)

 

العودة للواقع – المملكة العربية السعودية

أخذتكم في رحلة شيقة لجهة مختلفة من العالم، تواجه مانواجهه بالضبط مع بعض الاختلافات في المسميات والمسؤوليات الإضافية، فالسؤال الآن:

لماذا لا يتم اعتماد الكاميرا في جهاز الهيئة عند مواجهة العامّة؟

-وبقية أجهزة الدولة التي تتعامل مع العامة لتساهم في تطويرها داخليًا بجانب التنظيم وحفظ الحقوق-

وهذا تحت ضوابط وقوانين لإستخدامها تضمن حقوق جميع الاطراف وإبقاء الدلائل لمدة محددة وتحت شروط معينة (بالعامي: مب ركب كاميرة ورح بيتك شف الفديوات وعطنا المفيد، تطبيقها يكون عليه سياسة صارمة في الاستخدام والتسليم). بحيث يتم الاستفادة منها في نفس التجربة وهذا بحد ذاته سوف يقلل الشكاوى وينهي الاختلافات بشكل سريع، وايضا يستخدم لمصلحة الهيئة في تطوير وتدريب أفراد الجهاز عن طريق متابعة تصرفاتهم من قبل مسؤوليهم وتقديم النصائح اللازمة على أساسها، وليس مجرد تدريب نظري لمرة واحدة.. فالاهم هو التدريب المستمر.

اتمنى انه كانت قراءة شيقة لكم.. واتمنى انها مفيدة. إن كنت تراها قابلة للتطبيق ومفيدة، ساعد بنشرها.

المصادر:

(1) Investigator

(2) تقرير من مركز بحوث الشرطة عن استخدام الكاميرا، مقترحات ودروس مستفادة.

(3) صفحة البحث عن الكاميرا الملبوسة، الهيئة العامة للعدل بأمريكا

(4) تقرير عن تحليل الأدلة باستخدام الكاميرا الملبوسة في جهاز الشرطة

(5) دراسة: استخدام الكاميرا يقلل من استخدام العنف والشكاوى ضد الجهاز؟

  • الموسيقى ليست حلال.. ولا حرام؟!

    السمع خدعة وحنجرتك محرمّة الموضوع هذا غريب شوي، وبيصير فيه بعض المعلومات العلميّة اللي فعل…
  • تدرون وش اللي زهقت منه؟؟!

    دائمًا يقول لك أفضل الإبتكارات تنبع من حاجة الشخص نفسه، وليس توقع لحاجة الآخرين.. ولهذا كث…
  • عالمنا.. كيف قاعدين نقيسه؟

    ليه المتر طوله متر؟ (هاه؟) لأ.. فعلًا، ليه المتر حُسِب إن هذا هو طوله؟ هل هو عالم إخترع طو…
حمل المزيد من التدوينات المشابهة
  • تدرون وش اللي زهقت منه؟؟!

    دائمًا يقول لك أفضل الإبتكارات تنبع من حاجة الشخص نفسه، وليس توقع لحاجة الآخرين.. ولهذا كث…
  • الموسيقى ليست حلال.. ولا حرام؟!

    السمع خدعة وحنجرتك محرمّة الموضوع هذا غريب شوي، وبيصير فيه بعض المعلومات العلميّة اللي فعل…
  • عالمنا.. كيف قاعدين نقيسه؟

    ليه المتر طوله متر؟ (هاه؟) لأ.. فعلًا، ليه المتر حُسِب إن هذا هو طوله؟ هل هو عالم إخترع طو…
حمل المزيد من جهاد
حمل المزيد في أُخرى

5 تعليقات

  1. mo3tah

    فبراير، 2016 at 6:32 م

    بصراحة مقالك متزن ورأي سديد واعجبني فيك انك حيادي وناديت بتطبيق هذه الفكرة في كل الدوائر المعنية بضبط المخالفات والمخالفين وفعلا تطبيقها في شرطة امريكا في بعض الولايات افاد وفعلا لابد التشديد بآلية التخزين والرقابة واظن لابد ان نكون اكثر شفافية وان لا نتعامل مع جهة حكومية بقدسية بل جهة بشرية مثلها مثل غيرها ولكن اعلم ان جهة الهيئة نظام حساس بسبب اننا اما نتعامل معه بقدسية او بتحسس منه بالعربي مافيه وسط

    واحيي فيك تجاوزك لمسألة وجوده من عدمه بل بما انه موجود فليطبق عليه وعلى غيره نظام وتنظيم شديد ولا يوجد افضل من وضع كاميرات بآلية صارمة لضبط الموظفين وايضا حفظ حقوق الناس بنفس الوقت

    شكرًا جهاد لهذه المقالة اعجبتني جدا

    ناقش

    • جهاد خالد

      فبراير، 2016 at 12:31 م

      هلا وسهلا معاذ،

      شكرًا لكلامك اللطيف، وشهادة فخر والله.

      ناقش

  2. www.i5152.com

    فبراير، 2016 at 1:41 م

    مرحباً
    مدونة رائعة و تدوينة اروع
    بالتوفيق لكم

    ناقش

  3. عبدالرحمن الرحيلي

    فبراير، 2016 at 9:24 ص

    كلام جميل جداً وحل جذري،،،

    ولكني للأسف بدأت اقتنع أن الصراع حول هذه المسألة ليس مبني على البحث عن الحقيقة هو صراع ايدلوجي من الأخير،

    يعني بيجيك تيار وبعد تطبيق هذا الحل ويعمل مشكله ليش انتم تمنعون الخمر طيب ،، ويجي التيار المقابل ليش تم تقييد سلطات الهيئة ليييش
    هذا اختراق ليبرالي?

    عرفت الآن الاشكاليه مو فالحل واثبات التجاوز من عدمه الاشكال ابعد من كذا وبعبارة أخرى لو تم حل مشكلة الهيئة سيجد التيارين موضوع جديد يتقاتلون عليه.

    ناقش

    • جهاد خالد

      فبراير، 2016 at 1:58 م

      سلمك الله، شكرا.

      وأنا للأمانة ما أجزم أو أتطرق لأنه صراع بحث عن الحقيقة أو أيدلوجي، أكيد فيه نسبة تنتمي لكل هالتطرفين بلا شك. لكن على قولتهم، لا تكبر اللقمة؛ الواحد يبدأ يحل أصغر مشكلة عنده طالما انها مشكلة حقيقية وفيه حالات شبيهه لها بالعالم… بغرض النظر هل المطالبات بنية سليمة ولا أيدولوجية، لأنه وبكل بساطة الشيء -ولو بدأ بنية خبيثة- راح تكون فيه فوائد للجميع. وبعدها الواحد يمسك المشكلة الثانية وبعدها الثالثة وهكذا.

      لأن من غير المنطقي محاولة حل كلّ شيء وحل الصراعات وتحديد فوز أحد الأحزاب والقفز للنتيجة الاخيرة من الآن… الطرفين بيغرقون ومحد استفاد.

      ناقش

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضًا

تدرون وش اللي زهقت منه؟؟!

دائمًا يقول لك أفضل الإبتكارات تنبع من حاجة الشخص نفسه، وليس توقع لحاجة الآخرين.. ولهذا كث…